السيد محمد تقي المدرسي

47

من هدى القرآن

ولا تعني الآية من الأزواج النساء وفقط ، فقد تكون الزوجة مؤمنة مجاهدة ويكون العدو هم الزوج والأولاد فهي مسؤولة أيضا . وما أروع موقف وهب النصراني حينما تحدى تثبيط زوجته إذ تعلقت به لتردعه عن خوض القتال دفاعاً عن الإسلام بين يدي الإمام الحسين عليه السلام ولكنه اندفع إلى الشهادة ، لأن حب الله كان أنفذ بقلبه من عاطفته تجاه زوجته الشابة ! وما أعظم موقف آسية بنت مزاحم وهي تتحدى طغيان زوجها فرعون حتى استشهدت موثقة بالأوتاد ! ولعمري إن التاريخ الرسالي لحافل بمواقف البطولة للنساء والرجال على سواء ، الذين فكوا حلقة الأسرة ، وانطلقوا في رحاب الدفاع عن القيم السامية . وكما أن العداوة تتخذ ألوانا فإن عداوة الأزواج والأولاد قد لا تظهر على شفرة سيف ، ولا سنان رمح ، ولكنها تتمثل في مظاهر أخرى عاطفية واجتماعية واقتصادية ، فحينما يكون المؤمن متفانيا لقضيته منصهرا في بوتقة أهدافه فإن معاداة أسرته للقضية والأهداف هي في الواقع معاداة له ذاته ، ولو جاءت تلك المعاداة في صورة قشيبة من جهة التظاهر بحبه . وإذا لم يحذر المؤمن هذه العداوة فإن عاقبته الخسران ، ذلك أن الطغاة والمترفين والكسالى والمرجفين يحسنون استخدام سلاح الأسرة ضد المؤمن الرسالي ، لذلك تراهم ما يبرحون يسعون بشتى الأساليب ترغيبا وترهيبا وتضليلا لإدخالها في معادلة الصراع ضد الرساليين . « فَاحْذَرُوهُمْ » أي خذوا الحيطة المسبقة ، وتحصنوا ضد عداوتهم . وأمره تعالى بالاحتياط هنا ثم دعوته إلى الصفح والتسامح بعدئذ يدل على أن العداوة المعنية ليست التي تصل إلى حد القتال بل هي العداوة الخفية ، كالتي تستهدف التثبيط والنيل من عزيمة الجهاد لدى الإنسان المؤمن . وثمة ملاحظة جديرة بالانتباه تجدها في وزن كلمات الآية من الزاوية البلاغية ، فقد قال تعالى : « عَدُوّاً » بالإفراد ، ثم قال : « فَاحْذَرُوهُمْ » بالجمع ، لأن العدو قد يكون واحدا منهم ولكنه مندس بين أبناء العائلة ومؤثر فيهم فلا بد أن يحذر المؤمن الجميع ويتوجس خيفة من أي كلمة تثبيط تتغلف بالود والعاطفة ، سواء صدرت من أمه وأبيه أو زوجته وبنيه أو أخته وأخيه ، وبهذا الحذر وحده يستطيع أن يتجنب الفضل الذي وقع فيه الكثير من الناس ، فما أكثر القرارات الصائبة التي ضربت عرض الحائط بسبب دمعة تحلقت في جفون الزوجات أو كلمة عاطفية صدرت من أم أو أب ؟ ! . وليست الدعوة إلى الحذر تعني المقاطعة التامة مع الأسرة ، كلا . . بل لا بد أن يتحرك في علاقاته ضمن معادلة متوازنة إحدى كفتيها الاحتياط والحذر ، والأخرى العفو والصفح والغفران « وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا » ، وهذه ثلاث درجات لصفة واحدة هي التنازل